مايو
المسائل التوحيدية الفلسفية
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
طبعاً اخترت هي المقدمة لتكون توعية او بادئة للعدة مواضيع رح تنطرح لأكثر من كاتب
وهي بنهاية تعريف بدين توحييد ومعضم ماسيرد في هذا القسم لكتاب ومفكرين كتبو عن طائفة الموحدين
منقولات
نعلم أنَّ فتح ملفِّ “المسائل التوحيدية الفلسفية”، يحمل في طيَّاته تساؤلين اثنين ؛ أولهما ، استهجان البعض إقحام الفلسفة في الفكر الديني عامَّة ، أو العكس ؛ والثاني ، نظرة البعض إلى فتح الملفَّات الدينية ، على أنَّه خطوة نحو الخلف ، بوصفه يصبُّ في خانة الطائفية الخطرة على سلامة الفرد والمجتمع معاً .
وسوف نقوم بمعالجة الإجابة على هذين التساؤلين، فيما يلي :
في جوابنا على التساؤل الأول نقول :
استسهالاً وتقديساً للنصِّ الحرفيِّ للنقل ، قام مشايخ الدين عامَّة بنفي العقل بعيداً عن معالجة المسائل الدينية ، كما أبعدوا الفلسفة عن الدين ، نظراً لصعوبتها ، وفصلوا بينهما بحواجز تصل بالآخذين بهما معاً ،إلى التكفير ، كما حدث مع معظم فلاسفة العرب، مثل؛ إخوان الصفا، وابن سينا، وابن الروندي، وابن رشد، والمعري.. وقد سهَّل الطريق أمام مشايخ الدين في استهدافهم لفرض “تهافت الفلسفة”، سهولة الأسلوب الخطابي الديني المتَّبع، في بداية الرسالة المحمَّدية، والتحدُّث إلى الناس بحسب مستواهم الثقافي والعقلي. صحيح أنَّ خطاب الناس بهذه الطريقة ، هيّأ للدين انتشاراً واسعاً بين أتباعه ، الذين لم يكونوا قد تجاوزوا مرحلة البداوة في تلك الأيّام، لكن لو اتَّخذ الخطاب الديني بعداً فلسفيّاً في البداية ، لنبا الخطاب إذن عن أفهام الناس ، وفقدت الدعوة المحمَّدية الإسلامية أسباب النجاح، فخرج الناس من دين الله أفواجاً ، عوضاً عن الدخول فيه. لم يكن هذا الأسلوب الديني الخطابي المتَّبع، خاصّا بالمحمَّدية الإسلامية فقط، بل تناول جميع الديانات والمذاهب الدينية على الإطلاق، باعتبار الدين درجات، والتدرُّج يتطلَّب الارتقاء من الأبسط إلى الأكثر صعوبة. وعليه تبرز في كلِّ كتاب ديني مداخل فلسفية، يستدلَّ ويستهدي بها العارفون، فيغوصون في أعماقها، بما يسمَّى في النصرانية بالغنوص، وفي المحمَّدية بالعرفان،الذي هو أرقى درجات المعرفة.
ليست محاولات رجال الدين التقليديين المتتالية، والرامية إلى إبعاد الدين عن الفلسفة، سوى دليل على جهلهم بأسس الدين، وهروبهم من صعوبة الفلسفة على أفهامهم. فغاية الفلسفة بالتعريف، هي البحث بطرق عقلية عن أصول الأشياء ؛ كأصل الإنسان ، والحيوان ، والكون.. والوصول إلى خالق لم يخلقه أحد ، اعتماداً على البدهية المنطقية ، التي تقول : لا بدَّ لكلِّ مخلوق من خالق . وإذا نظرنا إلى الفكر الديني إجمالاً ، نجده يتَّفق في الغاية مع الفلسفة ، لأنَّه يقوم بنفس المهمَّة، حتَّى لو قام بها البعض بطريقة غيبية غير عقلانية أحياناً ، وذلك ايّام كان العلم في مبتداه، لا يتمكَّن بعد من الإجابة على أبسط أسئلة المتسائلين. والدليل على ذلك اهتمام الدين بأسفار
التكوين ، التي تحدَّثتْ بأسلوب قصصي عن كيفية خلق العالم. وكما لكلِّ فكر دينيٍّ نظريَّته الإخلاقية ، المدعَّمة بمؤيِّدات جزائية، تطال كلَّ مخالف، كذلك لكلِّ مذهب فلسفيٍّ نظريَّته الأخلاقية، المصحوبة بموجبات
منطقية لاتِّباعها، وعدم مخالفتها، واستنادا لها ألَّف “أفلاطون” جمهوريته، و”الفارابي” مدينته الفاضلة، والاشتراكيون الطوباويون فيما بعد مدنهم الفاضلة؛ “الطوباوية”.. إذن ؛ فالدين والفلسفة توأمان اثنان، متَّفقان بالغاية والسبب، لكنَّ بوناً شاسعا فرَّق بينهما، بسبب تجمُّد الأول في قوالب النصوص، ومواكبة الثاني لحركة العلم والتطور.
أمَّا في جوابنا على التساؤل الثاني ، فنقول :
ربَّما ينظر البعض إلى هذا الملفِّ ، على أنَّه قفزة طائفية نحو الوراء ، في عصر يكاد يخرج العالم فيه من جلده الضيِّق إلى الفضاء الرَّحب الواسع . ونحن نعتقد أنَّ مثل هذه النظرة ، لا تنبعث من واقع حقيقيٍّ ، بقدر ما تنبعث من وهم ، يعيش فيه أصحابه أشبه بنوم اليقظة. هذا مع اعترافنا بأنَّ توجُّه هؤلاء نحو الجُمعة ، ونبذهم الطائفية بكافَّة أنواعها ، هو عمل جليل وجميل، نتمنَّى أن يسود جميع فئات المجتمع. لكنْ لا سبيل لهم ولنا على السَّواء، إلى نكران الواقع السائد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية الحالية، المحتجزة بين أنياب ومخالب الطائفية الخطرة، التي تسِنُّ أنيابها، وتصقل مخالبها المعونات الخارجية. صحيح ؛ أنَّ أسهل الأمور، في هذه الحالة، هو خلع الثوب الطائفي الوسخ الرثّ ، الخطر على صحَّة الجسم، عوضا عن تقييفه وتنظيفه، لكنَّ القبول بمثل هذا الحلِّ السهل، يبدو قاتلاً في ظروف جوِّية شتوية عامَّة، تعصف رياحها العاتية، محمَّلة ببرد التعصُّب الدينيِّ القارس، فوق معظم أرجاء الساحة العربية والإسلامية. وكما يقول المثل: “من يخلع ثوبه يبرد”، بل يتجمَّد ويموت مقروراً ، في مثل هذا الطقس.
إنَّ خلع ثوب الطائفية الأسهل، يمثِّل فكراً انهزامياً ، لا يحقِّق نصراً في معركة دموية عمياء ، تزداد نيرانها تأجُّجاً ، وتشتدُّ ألسنتها ارتفاعاً في كلِّ يوم.. إنَّه برأينا هربٌ من ساحة المعركة، مسوَّغاً بذرائع مختلقة، وإنْ كانتْ تقنع صاحبها بصوابيَّتها، لكنَّها في الحقيقة تساهم في ترجيح كفَّة النصر عند الآخرين المتشدِّدين، بإنقاص عدد أخصامهم..
إنَّه يتمثَّل بالتنصُّل الكامل من واقعنا الموبوء ، الذي يسري فيه مرض الفكر التشدُّدي الديني العضال، والارتقاء فوقه بطائرة ورقيَّة! .. إنَّ كرهك للذئب، لا يمنع من وجوده، ولا يحول دون خطره! وإذا كان المرض موجوداً مهما أبغضناه، وقريبا منَّا مهما تفاديناه، فماذا نجني غير الهزيمة، إذا هربنا وتركناه!؟
والحقيقة أنَّ الأفضل، وليس الأسهل، معالجة مرض الطائفية هذا، بجرعة لقاحية من الطائفية نفسها، تستبدل بالمنفعة ضرره، وتوجِّه نحو الأمان خطره.. إنَّها الجرعة الآمنة من جرثومة المرض الفتَّاك، التي تحذف شرَّه، وتنجي من غوائله. وكما قال “أبو نواس”: “وداوني بالتي كانتْ هي الداء”.
إنَّ تدجين الطائفية، وتحويل ضررها بالمجتمعات إلى فائدة، يكمن في البحث عن المفيد منها، وهي الطائفية الآمنة، التي تحترم الرأي الآخر، وإن اختلفتْ معه، وتمدُّ جسور وأسباب التآلف بين فئات المجتمع الواحد. لعلَّ الذي يهرب من الطائفية، باعتبارها خطرة تشدُّدية، لا تؤمن بالتعدُّدية، كالهارب من ذاته إلى ذاته! فلقد خلق الله لكلِّ كائن حدوداً تفصله عن غيره، وجعل العيون والحواس تتحسَّس هذه الحدود وتدركها ، كي تميِّز بين الأشياء. وأصغر هذه الحدود هي حدود الأنا ، التي إنْ فقدها الإنسان فقد ذاته، وسال على التراب هباءً كما يسيل الماء من الكوب المكسور. إنَّ من حافظ على حدود أناه، ليس هو بالأنانيِّ، بل الأنانيُّ من لم يعترفْ للآخرين بحدودهم، وتجاوزها محاولاً احتلال أقاليم أناهم، تماما كما يحتلُّ المعتدي الغاصب أرض الغير. كذلك هناك حدود الأنا الأسروي، وأكبر منها الأنا المذهبي، الذي يحدِّد انتماء الشخص الديني، والأنا الوطني ثم القومي.. فمن يحاول على سبيل المثال إلغاء حدود الأنا الطائفي، في أرض مجتمع تتكاثر فيه أشواك الطائفية الضارَّة، إنَّما يكسر كوب كيانه فيه بجميع أنواته (جمع أنا)، فيسيل ماؤه، ويروِّي جذور أشواك الطائفية، لتزداد نموّا وكثافة.
ونحن من خلال هذا الملفِّ، نرغب في تحويل الطائفية عن مضارِّها، لا من خلال استبعادها والهرب منها، بل من خلال توظيف منافعها لدفع مساوئها.. ثم أنَّنا وجدنا ضالَّتنا للقضاء على الطائفية الخطرة الضارَّة في الفكر التوحيدي بشكله التجريديِّ الصحيح، بعيداً عن التشويهات التي لحقتْ به، ومازالت على مدى التاريخ. فالتوحيد التجريدي كما لم يفهمه قارئوه، هو الوسيلة والواسطة المثلى للتفاهم والتآلف بين الناس كافَّة.
مع المودة
15/1/2011
نبيه محمود السعدي





